النويري
436
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال [ 1 ] : وسمعته زينب أخته في تلك الليلة وهو في خباء له يقول - وعنده حوى مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه - : يا دهر أفّ لك من خليل كم لك بالإشراق والأصيل من صاحب أو طالب قتيل والدهر لا يقنع بالبديل وإنّما الأمر إلى الجليل وكلّ حىّ سالك السبيل فأعاد ذلك مرّتين أو ثلاثا ، فلمّا سمعته لم تملك لنفسها أن وثبت تجرّ ثوبها وإنها لحاسرة حتّى انتهت إليه فقالت : « واثكلاه ! ليت الموت أعدمنى الحياة ! اليوم ماتت فاطمة أمّى وعلىّ أبى وحسن أخي ! يا خليفة الماضي وثمال الباقي ! » . فنظر إليها وقال : يا أخيّة لا يذهبنّ حلمك الشيطان . قالت : بأبى وأمّى أنت استقتلت نفسي فداؤك ! فردّد غصّته ، وترقرقت عيناه ، ثم قال : « لو ترك القطا ليلا لنام [ 2 ] ! » . فقالت : « يا ويلتا ! أفتغضب نفسك اغتصابا ؟
--> [ 1 ] القائل : زين العابدين : قال : إني جالس في تلك العشية التي قتل أبى صبيحتها ، وعمتى زينب عندي تمرضنى إذ اعتزل أبى بأصحابه في خباء له ، وعنده حوى مولى أبي ذر الغفاري : وهو يعالج سيفه ويصلحه ، وأبى يقول : يا دهر أف لك . . . الخ . [ 2 ] تمثل بعجز بيت لحذام ابنة الديان ، وله قصة ذكرها الميداني في مجمع الأمثال والمفضل بن سلمة في الفاخر والجاحظ في الحيوان والعيني في شواهده الكبرى وذلك أن الديان وقومه جاءهم أعداؤهم ليلا ، فلما كانوا قريبا منهم أثاروا القطا - من الطير - فمرت بأصحاب الديان ، فخرجت حذام إلى قومها فقالت : ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا فلو ترك القطا ليلا لناما أي : أن القطا لو ترك ما طار في هذه الساعة ، فقد أتاكم القوم ، فقال ديسم بن طارق بصوت عال : - إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام وهناك بعض الراويات الأخرى .